القرطبي
94
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
جبريل بهذه السورة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : [ ما جئت حتى اشتقت إليك ] فقال جبريل : [ أنا كنت أشد إليك شوقا ، ولكني عبد مأمور ] ثم أنزل عليه " وما نتنزل إلا بأمر ربك " ( 1 ) [ مريم : 64 ] . " ودعك " بالتشديد : قراءة العامة ، من التوديع ، وذلك كتوديع المفارق . وروى عن ابن عباس وابن الزبير أنهما قرءاه " ودعك " بالتخفيف ، ومعناه : تركك . قال : وثم ودعنا آل عمرو وعامر * فرائس أطراف المثقفة ( 2 ) السمر واستعماله قليل . يقال : هو يدع كذا ، أي يتركه . قال المبرد محمد بن يزيد : لا يكادون يقولون ودع ولا وذر ، لضعف الواو إذا قدمت ، واستغنوا عنها بترك . قوله تعالى : ( وما قلى ) أي ما أبغضك ربك منذ أحبك . وترك الكاف ، لأنه رأس آية . والقلى : البغض ، فإن فتحت القاف مددت ، تقول : قلاه يقليه قلى وقلاء . كما تقول : قريت الضيف أقريه قرى وقراء . ويقلاه : لغة طئ . وأنشد ثعلب : * أيام ( 3 ) أم الغمر لانقلاها * أي لا نبغضها . ونقلي أي نبغض . وقال : ( 4 ) أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة * لدينا ولا مقلية إن تقلت وقال امرؤ القيس : * ولست بمقلي الخلال ولا قال ( 5 ) وتأويل الآية : ما ودعك ربك وما قلاك . فترك الكاف لأنه رأس آية ، كما قال عز وجل : " والذاكرين الله كثيرا والذاكرات " ( 6 ) [ الأحزاب : 35 ] أي والذاكرات الله .
--> ( 1 ) آية 64 سورة مريم . ( 2 ) المثقفة والمثقف : الرمح . ( 3 ) كذا في اللسان . وفي الأصول : ( يا رب ) . وبعده كما في اللسان : * ولو تشاء قبلت عيناها * ( 4 ) هو كثير عزة . ( 5 ) صدر البيت : * صرفت الهوى عنهن من خشية الردى * ( 6 ) آية 35 سورة الأحزاب .